رحل قبل أسابيع الفنان التشكيلي المصري محمد الطراوي وهو في حيويته وحضوره، التقيت به في أكثر من مناسبة، وكان كبيرا في خلقه وتعامله كما هو في فنه. اهتم مبكرا بالمكان وغلبت على أعماله المناظر التي يلتقطها أو يستعيدها من ذاكرته المتجددة، في إحدى رحلاتي للقاهرة زرت مرسمه وفاجأني بعدد غير قليل من الأعمال التي يعدها لعروض ومشاركات مختلفة. تتجه أعماله إلى وجهتين تحقق كل منهما حساسيته الخاصة وهو يتعامل مع الاكواريل أو ألوان الأكريلك، وعلى أن المجموعتين ذواتا وسيط واحد؛ إلا أن لكل تجربة خصوصيتها فالمائيات على الورق تختلف عن معالجات الأكريليك على القماش وبشكل يضعنا أمام حالة اكتشاف جديدة أراها في أعماله المتأخرة.عاش الفنان حالة تصوف وتأمل تتوالد معها مكنوناته الداخلية، ومعها يكون أكثر تعبيرا بالوسيط المائي عندما يمنحه تحركه وعفوية تسييله، باعثا حيوية على فضاءات المشهد الطبيعي وهي حيوية تأخذنا إلى أبعد من اللقطة الضوئية أو تأثيرها أو انطباع الفنان، فالصورة تنفي عن نفسها صفة اللقطة لتحقيق فعل الفن واكتشاف تأثير المكان وأثره، فالأرض تتعانق والسماء في فعل الدور الفني بين العنصر وفضائه وبين السطح ومحتواه، ومع أن اللون الذي يتعامل معه الفنان شديد الحساسية إلا أننا أيضا لا نتجاوز كثيرا المعطى البصري في سعة أفقه، وهو أفق يغيب في أعمال المحاكين الذين يحددون مشاهداتنا ويحدون من تفعيل حواس المشاهد، وهو ما يأخذ به الطراوي، فالصور تتحقق بتفاعل المشاهد وتأثير المشهد عليه، أعمال معرضه (هن) ثم معرضه الأخير (كوني أنت) وهو يتخذ من المرأة عنصرا أثيريا يبعث مظاهر شاعريته التي خط بها مواضيعه المتنوعة وأسهم اللون في إضافة حسه المرهف والشفاف والذي ميز جل أعماله. رحم الله الطراوي الذي كان يمتلئ جمالا ورهافة.@solimanart